الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
362
شرح ديوان ابن الفارض
الرؤية لم يكن محبّا لأن القلب لا يسع شيئين . وقوله « ما قد رأيت » يعني من المقام الكوني وهو زخارف الكائنات الأخروية ، وقوله « فقد ضيعت أيام » أي جعلت أيامي الماضية في المجاهدات والعبادات ضائعة لا فائدة فيها حيث لم يحصل بسببها غرضي ولا تم مقصودي . وقوله « أمنية » تقديره هي أمنية ، يعني أيامي التي مضت لي في الدنيا من حين دخولي في طريق السلوك إلى اللّه تعالى بالمجاهدات الشرعية والأحوال المرضية هي أمنية لي واحدة الأماني . وقوله « ظفرت » أي فازت . وقوله « روحي » فاعل ظفرت . وقوله « بها » أي بتلك الأمنية . وقوله « زمنا » أي مرة من الزمان ، وقوله « واليوم » أي في هذا الوقت الذي ظهر لي منه ما ظهر من الزخارف الكونية والشهوات النفسانية ، كما قال تعالى : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [ الزخرف : الآية 71 ] وذلك مطلوب أصحاب النفوس البشرية من عامة المؤمنين ، وقوله « أحسبها » أي أظنها يعني تلك الأمنية المذكورة . وقوله « أضغاث أحلام » أي أخلاط منامات واحدها ضغث أي حلم . والمعنى في ذلك أنني الآن لما ظهر لي خلاف مقصودي وما كنت أؤمله ظننت أن جميع ما تقدم لي في أيامي الماضية رؤيا منام وخيالات فاسدة لأنه ورد في الأثر ( أن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) . وقد ورد عن الشيخ عمر قدّس اللّه سره أنه بعد ذلك تبسّم مسرة لنيل مراده وبلوغ مقام إسعاده وأن الحق تعالى سمح له بالرؤيا اللائقة بمقامه . ( وبقية الأبيات الأربعة هي قوله ) : وإن يكن فرط وجدي في محبّتكم إثما فقد كثرت في الحبّ آثامي [ المعنى ] « وإن يكن فرط » بسكون الراء أي كثرة . وقوله « وجدي » أي شوقي وهيامي . وقوله « في محبتكم » خطاب للأحبة وهم أنواع التجليات الإلهية بالصفات والأسماء الربانية بجميع الآثار الكونية . وقوله « إثما » أي ذنبا من الذنوب . وقوله « فقد كثرت في الحب » أي في المحبة . وقوله « آثامي » فاعل كثرت ، أي ذنوبي ، يعني يلزم من كون كثرة الأشواق في المحبة ذنبا كثرة ذنوب المشتاق والذنوب مقتضيات التقصير والعصيان فيلزم من ذلك كثرة ذنوب المحب ، وأن تكون ذنوبه على مقدار محبته وأشواقه ومحبته وأشواقه كثيرة فذنوبه كثيرة . ولو علمت بأنّ الحبّ آخره هذا الحمام لما خالفت لوّامي [ المعنى ] « ولو علمت بأن الحب » أي المحبة الإلهية . وقوله « آخره » أي منتهى أمره بالمحب العاشق . وقوله « هذا الحمام » بكسر الحاء المهملة الموت ، وأشار إليه لأنه